عندما نتحدث عن التعلق غالبًا ما يكون تركيزنا على الشخص المتعلق فقط
على خوفه من الفقد
على حاجته المستمرة للطمأنينة
على القلق الذي يشعر به عندما يبتعد شخص مهم عنه
لكن هناك جانب آخر من القصة لا نتوقف عنده كثيرًا
ماذا عن الشخص الذي أصبح هو مصدر هذا الأمان؟
ماذا يشعر الإنسان عندما يصبح وجوده مرتبطًا براحة شخص آخر وطمأنينته؟
هل يشعر بأنه محبوب ومميز؟
أم يشعر مع الوقت بأنه أصبح مسؤولًا عن مشاعر شخص آخر؟
الحقيقة أن التعلق لا يحدث داخل شخص واحد فقط
بل يظهر داخل العلاقة بين شخصين
شخص يبحث عن الأمان
وشخص أصبح يمثل هذا الأمان بالنسبة له
ولهذا فإن فهم التعلق لا يكتمل عندما ننظر إلى طرف واحد فقط
بل عندما نحاول رؤية الصورة كاملة
في البداية قد يكون الشعور جميلًا
أن تجد شخصًا يهتم بك بهذه الطريقة قد يكون شعورًا مميزًا
أن يشعر أحدهم أنك الشخص الذي يفهمه
أن يلجأ إليك عندما يتعب
أن يثق بك عندما يخاف
كل ذلك قد يجعلك تشعر بأن وجودك له قيمة
وقد تفكر:
"أنا شخص مهم في حياة أحدهم"
وهذا شعور طبيعي
فالإنسان بطبيعته يحب أن يشعر بأنه مؤثر ومحبوب
لكن المشكلة لا تبدأ من الحب
بل تبدأ عندما يتحول وجودك من شيء جميل في حياة شخص آخر إلى شيء لا يستطيع الشعور بالأمان بدونه
الوجه الأول للشخص المتعلَّق به
مصدر الأمان
أحيانًا يكون الشخص المتعلَّق به شخصًا يمنح الآخر شعورًا بالراحة والاستقرار
قد يكون صديقًا يسمع دون حكم
أو حبيبًا يعطي الدعم والاحتواء
أو شخصًا وجد فيه الآخر مكانًا يشعر فيه بأنه مقبول كما هو
في هذه الحالة يشعر الشخص المتعلق:
"أخيرًا وجدت شخصًا يفهمني"
"أخيرًا هناك شخص يمكنني الاعتماد عليه"
وهذا قد يكون جميلًا في البداية
لكن مع الوقت قد يحدث تغير بسيط
بدل أن يصبح الشخص إضافة جميلة للحياة
يصبح هو المكان الوحيد الذي يذهب إليه الشخص عندما يشعر بالخوف أو الحزن أو القلق
وهنا يبدأ الاعتماد
لأن الفرق كبير بين:
"أحتاج وجودك لأنك شخص مهم بالنسبة لي"
وبين:
"لا أستطيع أن أكون بخير بدونك"
الوجه الثاني للشخص المتعلَّق به
دور المنقذ
في بعض العلاقات لا يتعلق الإنسان بالشخص فقط
بل يتعلق بالدور الذي لعبه هذا الشخص في حياته
ربما ظهر في وقت كان فيه يشعر بالوحدة
أو مر بمرحلة صعبة
أو شعر لأول مرة أن هناك شخصًا يسمعه ويفهمه
فيبدأ يرى الآخر كأنه أنقذه
وقد يصبح داخله اعتقاد:
"هذا الشخص الوحيد الذي استطاع الوصول إلي"
لكن هنا قد تظهر مشكلة للطرفين
الشخص المتعلق قد يخاف من فقدان الشخص لأنه لا يرى فقط إنسانًا أمامه
بل يرى الأمان الذي منحه له
أما الشخص المتعلَّق به فقد يبدأ بالشعور بثقل هذا الدور
لأنه لم يعد فقط صديقًا أو حبيبًا
بل أصبح يشعر أنه مسؤول عن إنقاذ شخص آخر دائمًا
الوجه الثالث للشخص المتعلَّق به
عندما يتحول الحب إلى مسؤولية
هناك لحظة قد يبدأ فيها الشخص المتعلَّق به بالشعور بأن العلاقة أصبحت تحتاج منه أكثر مما يستطيع تقديمه
قد يشعر أنه مسؤول عن:
مزاج الطرف الآخر
طمأنينته
خوفه
شعوره بالقيمة
كل خلاف يصبح يحتاج إلى إصلاح سريع
كل مسافة تحتاج إلى تفسير
كل تغير بسيط يحتاج إلى تأكيد
وقد يبدأ الشخص بالتفكير:
"أنا أحبه فعلًا، لكن لماذا أشعر أنني مسؤول عن جعله بخير طوال الوقت؟"
وهنا لا يكون التعب بسبب قلة الحب
بل بسبب أن الإنسان مهما أحب لا يستطيع أن يكون مصدر الأمان الوحيد لشخص آخر
الوجه الرابع للشخص المتعلَّق به
الخنق العاطفي والإغراق العاطفي
أحيانًا لا يكون الشخص المتعلق يقصد الضغط
هو فقط يحاول البحث عن الأمان بالطريقة التي يعرفها
لكن الطرف الآخر قد يشعر مع الوقت بأنه يغرق في كمية المشاعر والاحتياج
قد يشعر أنه لا يستطيع:
أن يأخذ وقتًا لنفسه
أن ينشغل
أن يختلف
أن يضع حدودًا
لأنه يخاف أن يفسر الطرف الآخر ذلك على أنه قلة حب
فيبدأ يشعر:
"أريد أن أكون قريبًا منه لكنني أشعر أنني أفقد مساحتي"
وهنا يظهر الخنق العاطفي
ليس لأن الحب موجود
بل لأن المساحة اختفت
الوجه الخامس للشخص المتعلَّق به
عندما يصبح مستغلًا لتعلق الآخر
من المهم أن نكون عادلين
فليس كل شخص متعلَّق به هو شخص متعب أو ضحية
في بعض الحالات قد يكون هناك شخص يستغل تعلق الآخر به
قد يحب شعور أن هناك شخصًا يحتاجه دائمًا
أو يحافظ على تعلق الطرف الآخر لأنه يمنحه قوة أو سيطرة
وقد يعطي الاهتمام عندما يريد شيئًا فقط
أو يستخدم خوف الآخر من الفقد لصالحه
هنا تصبح العلاقة غير صحية
لأن أحد الطرفين لم يعد يبحث عن مشاركة حقيقية
بل عن منفعة
الوجه السادس للشخص المتعلَّق به
الشخص الذي يضع حدودًا
أحيانًا يظن الشخص المتعلق أن وضع الحدود يعني قلة الحب
لكن هذا غير صحيح دائمًا
فقد يقول الشخص الآخر:
"أنا أحبك لكن أحتاج وقتًا لنفسي"
"أنا موجود لك لكن لا أستطيع أن أكون متاحًا طوال الوقت"
"أهتم بك لكنني لا أستطيع أن أحمل كل مشاعرك عنك"
وهذا لا يعني أنه قاسي
بل يعني أنه يحاول حماية العلاقة من أن تتحول إلى اعتماد مؤلم
فالحدود ليست دائمًا جدارًا بين الأشخاص
أحيانًا تكون طريقة تجعل العلاقة تستمر بشكل صحي
كيف يؤثر الشخص المتعلق على الشخص المتعلَّق به؟
عندما يصبح التعلق شديدًا قد يشعر الطرف الآخر:
أنه تحت الاختبار دائمًا
أنه يحتاج إلى إثبات حبه باستمرار
أنه لا يستطيع التعبير عن تعبه
أنه يخاف من الابتعاد حتى لا يؤذي الآخر
وقد يبدأ بالابتعاد ليس لأنه توقف عن الاهتمام
بل لأنه يحتاج أن يستعيد إحساسه بأنه شخص مستقل
وكيف يؤثر الشخص المتعلَّق به على الشخص المتعلق؟
في المقابل، الطرف الآخر أيضًا قد يؤثر بشكل كبير
فإذا كان يعطي اهتمامًا متقطعًا
أو يقترب ويبتعد باستمرار
أو يعطي وعودًا لا يلتزم بها
فقد يزيد شعور التعلق والقلق
لأن عدم الاستقرار يجعل الشخص يبحث أكثر عن الطمأنينة
في النهاية
التعلق ليس قصة شخص سيء وشخص ضحية
وليس دائمًا شخصًا يحب وشخصًا لا يحب
هو علاقة بين احتياج للأمان وشخص أصبح يمثل هذا الأمان
الشخص المتعلق يحتاج أن يتعلم أن الحب لا يعني فقدان نفسه
والشخص المتعلَّق به يحتاج أن يتعلم أن الدعم لا يعني حمل حياة شخص آخر بالكامل
فالعلاقة الصحية ليست أن يقول شخص:
"لا أستطيع العيش بدونك"
ولا أن يقول الآخر:
"لا أحتاج أحدًا"
بل أن يقول الطرفان:
"وجودك يجعل حياتي أجمل
لكنني ما زلت أملك نفسي وأنا أحبك"
لأن أجمل العلاقات ليست التي يذوب فيها شخص داخل الآخر
بل التي يقترب فيها شخصان من بعضهما دون أن يفقد أي منهما ذاته

