ليس كل الناس يشعرون بنفس الطريقة.
هناك من تمرّ بهم المشاعر بهدوء، وهناك من تعبر في داخلهم كعاصفة لا تهدأ. ليس لأنهم يبالغون، ولا لأنهم يبحثون عن الدراما، بل لأن طبيعة شعورهم مختلفة… أعمق، أسرع، وأثقل.
هؤلاء الأشخاص يعيشون مشاعرهم بكاملها، دون نقصان.
يحبّون بصدقٍ كبير، يتعلّقون بسرعة، يعطون من أنفسهم دون حساب. لا يعرفون كيف يكون الشعور “بسيطًا”، فكل شيء عندهم إمّا عميق… أو لا يكون.
لكن هذا العمق لا يأتي وحده.
يرافقه خوف دائم، خوف من الفقد، من التغيّر، من أن يرحل الشخص فجأة دون مقدمات. حتى في لحظات الأمان، يبقى هناك صوت خفي يسأل
ماذا لو انتهى كل شيء
وهنا يبدأ الصراع الداخلي.
رغبة قوية في القرب، وفي نفس الوقت رغبة بالانسحاب.
الاقتراب يمنحهم شعورًا لا يوصف، لكنهم في كل مرة يقتربون أكثر، يزداد خوفهم من الألم.
من منظور نفسي، يُفسَّر هذا النمط أحيانًا بما يُعرف بعدم استقرار المشاعر أو الحساسية العاطفية المرتفعة، حيث يستجيب الشخص للمواقف العاطفية بشكل أقوى من المعتاد. وقد يرتبط ذلك أيضًا بتجارب سابقة، كفقدان، أو خذلان، أو بيئة لم تمنح الشعور الكافي بالأمان.
لهذا، قد تبدو مشاعرهم متقلّبة للآخرين.
يوم قريبون جدًا، ويوم آخر بعيدون تمامًا.
لكن الحقيقة أنهم لا يتغيّرون من فراغ، بل يستجيبون لكل شعور يمر داخلهم وكأنه حقيقة كاملة.
أكثر ما يُتعبهم ليس الشعور نفسه،
بل عدم قدرتهم على فهمه أو السيطرة عليه أحيانًا.
يسألون أنفسهم كثيرًا
لماذا أشعر بهذا الشكل
لماذا أتأثر بهذه السرعة
لماذا لا أستطيع أن أكون عاديًا مثل غيري
وهذه الأسئلة، حين تبقى دون إجابة، تتحول إلى عبء إضافي فوق مشاعرهم.
لكن ما لا يُقال كثيرًا، أن هؤلاء الأشخاص ليسوا “صعبين” كما يُعتقد،
بل هم أشخاص يملكون قدرة عالية على الإحساس، على الحب، وعلى العطاء.
مشكلتهم ليست في أنهم يشعرون،
بل في أنهم يشعرون بعمق لا يجد دائمًا من يفهمه.
ولهذا، فإن أول خطوة نحو الراحة لا تكون في محاولة إلغاء هذا العمق،
بل في فهمه.
في تقبّل أن الشعور القوي ليس خطأ،
وأن الحساسية ليست ضعفًا،
بل جزء من تكوين إنساني يحتاج فقط إلى توازن.
فالتوازن لا يعني أن يتوقف الإنسان عن الشعور،
بل أن يتعلّم كيف يحتوي هذا الشعور دون أن يغرق فيه.
وفي النهاية،
هؤلاء الأشخاص لا يحتاجون أن يصبحوا أقل إحساسًا،
بل يحتاجون أن يتعلموا كيف يكونون أكثر أمانًا مع أنفسهم
في عالم لا يفهم دائمًا عمق ما يشعرون به.

