هذا التحوّل لا يحدث فجأة كما يبدو ولا لأن المشاعر كانت كذبًا بل لأن ما بُني في الداخل يتغيّر بصمت وببطء لا يُلاحظ في البداية حين نحب لا نحب الشخص فقط بل نحب الإحساس الذي يخلقه داخلنا نحب شعور القرب والاهتمام نحب أن نكون مرئيين مفهومين أو حتى أقل وحدة وهذا الإحساس يكون في أحيان كثيرة هو الأساس الحقيقي للتعلّق أكثر من الشخص نفسه في تلك المرحلة يميل العقل لما يُسمّى في علم النفس بالمثالية حيث نركّز على الجوانب التي تناسبنا ونضخّمها ونتجاهل أو لا نرى باقي الصورة ليس عن قصد بل لأننا نعيش الشعور أكثر مما نرى الواقع ومع التعلّق يبدأ الدماغ بإفراز مواد مثل الدوبامين الذي يعزز الشعور بالمتعة والارتباط فيصبح الشخص مرتبطًا ليس فقط عاطفيًا بل كيميائيًا أيضًا فنشتاق ونفكر ونتعلّق بطريقة نشعر أنها خارجة عن السيطرة وكأن هذا الشعور ثابت ولا يمكن أن يتغيّر لكن الحقيقة أن الدماغ لا يبقى على نفس الاستجابة للأبد مع الوقت يتعوّد على نفس المحفزات فتقل الحدة ويبدأ الشعور بالهدوء وهذا لا يعني أن الحب انتهى فورًا بل يعني أن المرحلة الأولى التي كانت مليئة بالاندفاع بدأت تهدأ وهنا تبدأ الرؤية تصبح أوضح تدريجيًا فنلاحظ أشياء لم نكن نلاحظها من قبل أو تتغير نظرتنا لما كان يبدو مهمًا أو استثنائيًا وفي نفس الوقت الإنسان نفسه لا يبقى كما هو تتغيّر احتياجاته ينضج يمر بتجارب يفهم نفسه أكثر وأحيانًا يكتشف أن ما كان يظنه مناسبًا له لم يعد كذلك وهنا يحدث التحوّل الحقيقي ليس لأن الشخص الآخر تغيّر بالضرورة بل لأن الصورة التي كانت في الداخل تغيّرت لأننا لم نعد نفس الشخص الذي أحب في البداية في علم النفس يُفسَّر هذا أحيانًا بأن التعلّق كان مرتبطًا بحالة داخلية مثل فراغ عاطفي أو احتياج للاهتمام أو رغبة في الشعور بالأمان أو حتى هروب من شعور آخر وعندما تتغيّر هذه الحالة أو تمتلئ بطريقة مختلفة يختفي السبب الذي كان يغذي هذا التعلّق دون أن نشعر ولهذا قد يستيقظ الإنسان يومًا وينظر لنفس الشخص دون أن يشعر بشيء يُذكر لا كره ولا حب فقط حياد وهذا أكثر ما يربك لأن النهاية لم تكن صاخبة ولم يكن هناك سبب واضح بل مجرد هدوء داخلي أخذ مكان الشعور القديم فيبدأ الإنسان يتساءل كيف كنت أشعر بكل هذا كيف كان هذا الشخص مختلفًا في عيني إلى هذا الحد وهل كنت أتوهم أم أني تغيّرت والحقيقة الواقعية التي قد لا تكون مريحة أن المشاعر ليست ثابتة ولا مرتبطة دائمًا بالشخص نفسه بل مرتبطة بوعينا وبما يحدث داخلنا أكثر مما يحدث خارجنا فنحن لا نحب الأشخاص فقط بل نحب أنفسنا ونحن معهم نحب النسخة التي نكون عليها في وجودهم وعندما تتغير هذه النسخة أو نكبر أو نفهم أشياء أعمق تتغيّر مشاعرنا بشكل طبيعي دون أن يكون في ذلك خيانة لما كان بل هو جزء من التغيّر الإنساني الطبيعي وهذا لا يجعل التجربة أقل صدقًا لأن ما شعرنا به كان حقيقيًا في وقته بكل تفاصيله لكنه كان حقيقيًا ضمن سياق وزمن ومرحلة معينة ومع تغيّر هذه المرحلة يتغيّر الشعور ويبهت تدريجيًا حتى نصل إلى نقطة نرى فيها هذا الشخص بشكل عادي جدًا وربما هذا هو الجزء الأصعب أن لا نحزن فقط على انتهاء العلاقة بل على انتهاء الشعور نفسه على فقدان تلك النسخة منا التي كانت ترى كل هذا الجمال في شخص واحد وعلى إدراك أن القلب قادر على أن يمتلئ بهذا العمق ثم يهدأ وكأن شيئًا لم يكن وهذا لا يعني أننا فقدنا القدرة على الحب بل يعني أننا تغيّرنا وأن ما يناسبنا اليوم مختلف عما كان يناسبنا بالأمس وفي النهاية قد لا يكون السؤال لماذا انتهى الحب بل كيف تغيّرنا نحن لدرجة أن هذا الحب لم يعد يجد مكانه داخلنا
Discussion about this post
No posts

