من أكثر الأسئلة التي حيّرتني: لماذا يستطيع الإنسان أن يمنح كل قلبه لشخص لا يبادله الشعور، بينما يقف عاجزًا عن رؤية شخص آخر يحبه بصدق؟
وهل المشكلة فعلًا في الأشخاص... أم في الطريقة التي تعلمنا بها أن نفهم الحب؟
أعتقد أن كثيرًا منا لم يقع في حب شخص، بل وقع في حب فكرة الوصول إليه.
هناك فرق كبير بين أن تحب إنسانًا، وبين أن تجعل الحصول على حبه مشروعًا لإثبات قيمتك.
عندما تصبح كل رسالة، وكل اهتمام، وكل لقاء محاولة لإقناع شخص بأن يراك، فأنت لم تعد تعيش علاقة، بل تعيش امتحانًا مستمرًا.
وهنا تبدأ المشكلة.
العقل لا يفسر الندرة على أنها غياب، بل يفسرها أحيانًا على أنها قيمة.
كلما أصبح الوصول إلى شخص أصعب، بدأ يبدو أكثر أهمية، رغم أن صعوبة الوصول لا تعني أبدًا أنه الشخص المناسب.
ولهذا قد نقضي شهورًا، وربما سنوات، نحاول أن نكسب قلبًا لم يخترنا منذ البداية.
وفي الوقت نفسه، يوجد شخص آخر...
لا يجعلك تركض خلفه.
لا يجعلك تشك في نفسك.
لا يجعلك تتساءل كل ليلة: "هل أنا كافٍ؟"
بل يراك كما أنت، ويختارك كما أنت، ويحاول أن يكون جزءًا من حياتك دون أن يجعلك تدفع ثمنًا نفسيًا مقابل ذلك.
لكننا لا نراه.
ليس لأنه أقل جمالًا، أو أقل قيمة، بل لأننا اعتدنا أن نخلط بين الحب والقلق.
حتى أصبح الهدوء يبدو مملًا، وأصبح الغموض يبدو حبًا، وأصبح الانتظار دليلًا على أهمية العلاقة.
وهذه من أكثر الأفكار ظلمًا للنفس.
الحب الحقيقي لا يجعلك تقضي معظم وقتك في محاولة تفسير تصرفات الطرف الآخر.
ولا يجعلك تشعر أنك تحتاج إلى تغيير شخصيتك حتى يستمر.
ولا يحولك إلى شخص يراقب هاتفه كل دقيقة خوفًا من أن يفقد اهتمامًا لم يكن موجودًا أصلًا.
الحب الصحي لا يحتاج إلى مطاردة.
بل يحتاج إلى شخصين يختاران بعضهما، ثم يحاول كل واحد منهما أن يجعل حياة الآخر أخف، لا أثقل.
لكن دعني أوضح شيئًا مهمًا...
هذا لا يعني أن كل شخص يحبك هو الشخص المناسب لك.
فالحب وحده لا يكفي لبناء علاقة.
هناك توافق، واحترام، ونضج، وحدود، ومسؤولية.
لكن إن وجدت شخصًا يجمع بين هذه الأشياء، فلا تتجاهله فقط لأنك ما زلت تنظر إلى بابٍ أُغلق منذ زمن.
فأحيانًا لا يكون أصعب ما في الحياة أن نخسر شخصًا.
بل أن نكتشف، بعد سنوات، أننا كنا نطارد سرابًا، بينما كان الحب الحقيقي يطرق بابنا بهدوء، ولم نسمعه لأن ضجيج التعلق كان أعلى من صوته.
وربما لهذا السبب...
ليست المشكلة دائمًا أننا لا نجد من يحبنا.
بل أننا، في بعض المراحل من حياتنا، لا نعرف كيف نميز بين من يمنحنا الحب، ومن يجعلنا نجري خلفه بحثًا عنه.

