هل تعرف ذلك الشعور الذي لا يأتي على شكل انهيار، بل على شكل هدوء غريب؟
تستيقظ في اليوم التالي ولا تريد أن تجادل، ولا أن تشرح، ولا حتى أن تثبت أنك لم تكن تقصد ما فُهم عنك.
فجأة يصبح كل شيء: "عادي".
ليس لأنك لم تعد تهتم، بل لأن شيئًا في داخلك تعب من المحاولة.
أحيانًا لا يأتي الانطفاء من كثرة ما حدث، بل من لحظة واحدة اكتشفت فيها أن الشخص الذي كنت تظنه قادرًا على سماعك، لم يكن يسمعك بالطريقة التي كنت تحتاجها.
كنت تريد أن تقول شيئًا بسيطًا.
كنت تريد أن تشرح وجهة نظرك، أو تتحدث عن شيء يشغلك، أو حتى أن تقول: "أنا تعبت."
ثم فجأة يتحول الحديث إلى دفاع عن نفسك.
لم تعد تشرح الفكرة.
أصبحت تشرح لماذا شعرت بها أصلًا.
لم تعد تتحدث عن المشكلة.
أصبحت تحاول إثبات أنك لست شخصًا سيئًا، ولا جاحدًا، ولا غير ناضج، ولا ضعيفًا.
وهنا يحدث شيء مؤلم جدًا.
تبدأ في الشك بنفسك.
ربما أنا فعلًا أبالغ.
ربما أنا فعلًا حساسة أكثر من اللازم.
ربما أنا لا أعرف كيف أتحكم بمشاعري.
ربما المشكلة فيّ.
وهذه الـ"ربما" الصغيرة قادرة على أن تأكل جزءًا كبيرًا من ثقتك بنفسك.
لأن الإنسان عندما يسمع تفسيرًا قاسيًا لنفسه من شخص قريب، لا يسمعه دائمًا كجملة عابرة.
أحيانًا يحتفظ بها.
يعيدها في رأسه.
ويبدأ بالنظر إلى نفسه من خلالها.
حتى البكاء قد يتحول إلى شيء تخجل منه.
مع أنك لم تخطط له.
لم تجلس قبل الحديث وتقرر أنك ستبكي حتى تكسب النقاش.
أحيانًا نحن لا نختار الطريقة التي تخرج بها مشاعرنا.
قد نحاول أن نتكلم بهدوء، ثم تتراكم أشياء كثيرة في الداخل، وفجأة تسبقنا الدموع.
وهذا لا يعني أن كل انفعال صحيح، ولا أن البكاء يجعل الإنسان على حق في كل ما يقوله.
لكنه يعني شيئًا بسيطًا جدًا:
أن الإنسان قد يصل إلى لحظة يصبح فيها الشعور أكبر من قدرته على تنظيمه في تلك اللحظة.
وهنا كنت أتمنى دائمًا أن نفصل بين شيئين:
الشعور، والتصرف.
يمكن أن يكون شعورك حقيقيًا، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى مراجعة الطريقة التي عبرت بها عنه.
يمكن أن تكون مجروحًا، دون أن يكون من حقك أن تجرح.
ويمكن أن تكون غاضبًا، دون أن يصبح غضبك مبررًا لكل شيء.
لكن الاعتراف بهذه المسؤولية لا يعني أن نحاكم الإنسان على مجرد شعوره.
لأن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى أن يشعر بالأمان أولًا، حتى يستطيع أن يفهم نفسه ويضبط رد فعله لاحقًا.
وهذا ما يجعل الانطفاء مؤلمًا.
عندما تأتيك القسوة من شخص بعيد، قد تقول: "هو لا يعرفني."
لكن عندما تأتي من شخص قريب، تبدأ بالسؤال:
"إذا كان هذا الشخص الذي يعرفني رأاني بهذه الطريقة... فهل أنا فعلًا كذلك؟"
ومن هنا لا ينتهي الخلاف بانتهاء المكالمة أو الحديث.
يستمر داخل رأسك.
تراجع كلماتك.
نبرة صوتك.
دموعك.
غضبك.
كل شيء.
ثم تبدأ بفعل شيء لم تكن تفعله من قبل:
تراقب نفسك قبل أن تتكلم.
هل أقول هذا؟
هل سيُفهم ضدي؟
هل سيقولون إنني حساسة؟
هل سيعتبرون بكائي تلاعبًا؟
هل سيقولون إنني غير ناضجة؟
وهكذا يصبح التعبير عن المشاعر امتحانًا بدل أن يكون مساحة آمنة.
وربما هنا يبدأ الانطفاء الحقيقي.
ليس عندما تتوقف عن الشعور...
بل عندما تتوقف عن الرغبة في مشاركة ما تشعر به.
تصبح لديك أشياء كثيرة تريد قولها، لكنك تبتلعها.
تريد أن تشتكي، فتتراجع.
تريد أن تعترض، فتقول: "ماشي."
تريد أن تشرح، فتقول: "عادي."
ليس لأن الأمر عادي.
بل لأنك فقدت الإيمان بأن الشرح سيغير شيئًا.
وهذا النوع من الصمت مختلف.
هناك صمت يأتي من الراحة.
وصمت يأتي من اليأس.
والفرق بينهما أن الأول يقول: "لا أحتاج إلى الكلام."
أما الثاني فيقول: "لم يعد لديّ طاقة لأتكلم."
وأحيانًا، بعد تجربة كهذه، لا يصبح الإنسان أقل حساسية.
بل أكثر حذرًا.
وقد يبدأ بالابتعاد عن الناس، أو بفقدان ثقته بسهولة، أو حتى بتكوين أحكام قاسية عن العلاقات كلها.
قد يقول لنفسه:
إذا كان شخص قريب مني لم يفهمني، فكيف سأثق بشخص جديد؟
إذا كان التعبير عن مشاعري جعلني أشعر بالخجل، فلماذا أتكلم أصلًا؟
وإذا كان ضعفي قد استُقبل بهذه الطريقة، فربما الأفضل ألا أُظهر ضعفي لأحد.
لكن هنا يجب أن نتوقف.
لأن تجربة واحدة، مهما كانت مؤلمة، لا يجب أن تتحول إلى قانون يحكم حياتنا كلها.
ليس كل شخص سيؤذينا.
وليس كل شخص سيستخدم مشاعرنا ضدنا.
وليس كل علاقة ستجعلنا نشك بأنفسنا.
هناك أشخاص يستطيعون أن يسمعوا اختلافك دون أن يحاولوا إلغاءك.
أشخاص يستطيعون أن يقولوا لك: "أنا لا أتفق معك، لكنني أريد أن أفهمك."
وهذه جملة بسيطة، لكنها تحمل معنى كبيرًا.
لأن الأمان لا يعني أن الطرف الآخر يوافقك دائمًا.
الأمان يعني أنك تستطيع أن تختلف دون أن تشعر أن وجودك نفسه أصبح موضع محاكمة.
وربما لهذا السبب، بدأت أفهم أن الانطفاء ليس دائمًا دليلًا على أنك أصبحت باردًا.
أحيانًا يكون دليلًا على أنك تعبت.
تعبت من شرح نفسك.
تعبت من الدفاع عن نواياك.
تعبت من محاولة إثبات أنك شخص جيد.
وتعبت من أن تُفهم أسوأ مما كنت تقصد.
لكنني لا أريد أن يكون الحل هو أن أصبح شخصًا لا يشعر.
ولا أن أكره الناس جميعًا لأن شخصًا واحدًا لم يعرف كيف يحتويني.
ولا أن أسمح لتجربة مؤلمة أن تقنعني بأن اللطف ضعف، وأن البوح خطأ، وأن الأمان وهم.
ربما أحتاج فقط أن أتعلم شيئًا أصعب:
أن أحمي نفسي دون أن أغلقها.
أن أتعلم التعبير عن مشاعري دون أن أعتبرها عيبًا.
أن أتحمل مسؤولية تصرفاتي دون أن أحمّل نفسي مسؤولية مشاعر الآخرين كلها.
وأن أفهم أن كون شخص ما لم يرني كما أنا، لا يعني أن الصورة التي رآها هي حقيقتي.
لأنني في النهاية أعرف نفسي.
وأعرف الفرق بين أن أخطئ، وبين أن أكون شخصًا سيئًا.
أعرف الفرق بين أن أنفعل في لحظة، وبين أن يكون الانفعال هو شخصيتي كلها.
وأعرف أن الإنسان يمكن أن يخطئ، ثم يتعلم، ثم يصبح أفضل.
لذلك ربما أكثر ما يؤلم في بعض العلاقات ليس أن الشخص جرحك فقط.
بل أنه جعلك للحظة تنظر إلى نفسك بعينيه.
والتعافي الحقيقي يبدأ عندما تستعيد عينيك أنت.
عندما تستطيع أن تقول:
نعم، ربما أخطأت.
نعم، ربما كان يمكنني أن أتصرف بطريقة أفضل.
لكنني لست أسوأ شيء قيل عني في لحظة غضب.
ولست دموعي.
ولست انفعالي.
ولست حكم شخص واحد عليّ.
أنا إنسان يتعلم نفسه، ويحاول أن يفهمها، ويخطئ، ويصلح، ويكبر.
وربما لا أحتاج أن أصبح أقل شعورًا حتى أكون ناضجًا.
ربما أحتاج فقط أن أتعلم كيف أحمل مشاعري دون أن أكره نفسي بسببها.
لأن أسوأ ما يمكن أن يفعله بنا الانطفاء...
أن يجعلنا نكره الجزء الذي كان يحتاج فقط إلى أن يُسمع.


شرحك ووصفك بيرفكت بشكللل💫🤍