من أكثر الأشياء التي حيّرتني دائمًا أن هناك أشخاصًا يستطيعون إكمال حياتهم بعد انتهاء علاقة أو بعد فقدان شخص كانوا جزءًا من حياتهم بينما يبقى الطرف الآخر عالقًا في نفس المكان رغم مرور الشهور أو حتى السنوات ليس عالقًا في الماضي بمعنى أنه لا يعيش حياته بل عالقًا في نفس الشعور نفس الحنين نفس الأسئلة وكأن الزمن تحرك في كل شيء إلا داخله
والمفارقة التي تجعل الأمر أصعب هي أن الشخص الذي يبدو قادرًا على النسيان والتخطي يكون أحيانًا هو الطرف الأقل حبًا أو الأقل عطاءً بينما الشخص الذي أعطى أكثر وانتظر أكثر وتعلق أكثر هو من يبقى يحمل أثر العلاقة لفترة أطول وهنا يبدأ السؤال الذي يطرحه الكثيرون على أنفسهم كيف استطاع أن ينسى بهذه السرعة وهل كان ما بيننا حقيقيًا أصلًا
لكن مع الوقت اكتشفت أن الأمر ليس دائمًا مرتبطًا بكمية الحب فقط بل بطريقة ارتباط كل شخص بالمشاعر هناك أشخاص يدخلون العلاقات وهم قادرون على الفصل بين حياتهم وبين مشاعرهم وعندما تنتهي العلاقة يتألمون لفترة ثم يكملون طريقهم وهناك أشخاص آخرون لا يحبون الشخص فقط بل يربطون به الذكريات والأمان والأحلام والتفاصيل الصغيرة فيصبح فقدان الشخص أشبه بفقدان جزء من عالمهم الداخلي
وأحيانًا يكون السبب في أن بعض الأشخاص لا يستطيعون النسيان هو أنهم لم يكونوا مجرد طرف في العلاقة بل كانوا الطرف الذي يحملها كلها على كتفيه الطرف الذي يحاول دائمًا إصلاح الأمور عند كل خلاف والذي يبحث عن حلول بدل أن يبحث عن أعذار للرحيل هو الشخص الذي يسامح أكثر مما يجب ويتجاوز عن البرود ويتفهم الانشغال ويبرر التصرفات التي كانت تؤلمه فقط لأنه لا يريد أن يخسر من يحب
ومع الوقت يصبح معتادًا على أن يكون هو المبادر وهو الذي يسأل وهو الذي يحاول وهو الذي يقلق إن تغيّر شيء بسيط في العلاقة يراقب كلماته حتى لا يزعج الطرف الآخر ويكتم مشاعره حتى لا يثقل عليه ويحاول أن يكون متفهمًا في كل مرة لكنه في النهاية كثيرًا ما يُوصف بأنه حساس أكثر من اللازم أو متعلق بشكل مبالغ فيه أو أنه يفتعل المشاكل بينما الحقيقة أنه كان فقط يحاول الحفاظ على شيء يراه مهمًا
ولهذا السبب قد يبقى شخص يتذكر كلمة قيلت له قبل سنوات أو موقفًا بسيطًا أو شعورًا عاشه مع شخص لم يعد موجودًا في حياته ليس لأنه يريد أن يتعذب بل لأن ذاكرته العاطفية لا تتعامل مع الأمور بنفس الطريقة التي يتعامل بها الآخرون فبعض الناس ينسون الأحداث ويبقى الشعور وبعضهم ينسون الشعور وتبقى الأحداث وبعضهم لا ينسى أيًا منهما
وفي علم النفس يوجد ما يسمى بالتعلق العاطفي وهو لا يتعلق فقط بمدى الحب بل بمدى ارتباط الإنسان بالشخص كمصدر للأمان أو الفهم أو الاحتواء لذلك أحيانًا لا يكون الإنسان مشتاقًا للشخص نفسه بقدر اشتياقه للشعور الذي كان يعيشه معه وهذا ما يجعل عملية التخطي أطول وأصعب
ومع الوقت اكتشفت أن التعلق من أصعب الأشياء التي قد يمر بها الإنسان لأنه لا يجعلك تتمسك بالشخص فقط بل يجعلك تتمسك بكل شعور ربطك به تتمسك بالأمان الذي شعرت به معه وبالذكريات وبالأحاديث وبالتفاصيل الصغيرة التي قد لا تعني للطرف الآخر شيئًا وهنا يصبح الإنسان أحيانًا متعلقًا بالشعور أكثر من الشخص نفسه يصبح متعلقًا بالفكرة التي بناها عنه بالصورة التي رسمها له في داخله حتى لو كان يدرك تمامًا أنه لا يوجد إنسان كامل
ولهذا يكون التعلق مرهقًا لأنه يجعلك ترى الأشياء بقلبك أكثر مما تراها بعقلك يجعلك تتمسك بالأيام الجميلة وتتجاهل أحيانًا كل ما كان يؤذيك والأسوأ من الحب من طرف واحد ليس أن تحب شخصًا لا يحبك بل أن تحب شخصًا وتشعر أنك وحدك من يحمل العلاقة أن تشعر أن كل شيء سيقف إذا توقفت أنت عن المحاولة أن تكون أنت من يصلح ويعتذر ويفهم ويبرر ويصبر بينما الطرف الآخر يكتفي بالوجود فقط
والحقيقة التي لا يحب الكثيرون سماعها أن الشخص الذي نراه قد تخطى ربما لم يحب بالطريقة نفسها أصلًا ليس لأنه سيئ أو كاذب بل لأن مشاعره كانت مختلفة في العمق أو في طريقة التعبير أو في حجم التعلق فليس كل شخصين عاشا نفس العلاقة عاشاها بنفس المشاعر
لكن هذا لا يعني أن بقاءك متأثرًا دليل على ضعفك كما أن قدرة غيرك على المتابعة ليست دليلًا على قسوته الناس تختلف في طريقة الحزن وفي طريقة الفقد وفي طريقة التعامل مع الذكريات هناك من يواجه ألمه مباشرة وهناك من يدفنه وهناك من يحوله إلى عمل أو دراسة أو صداقات جديدة وهناك من يحتاج وقتًا أطول بكثير حتى يفهم ما الذي حدث له أصلًا
وربما أكثر ما يؤلم ليس الفراق نفسه بل فكرة أنك ما زلت تحمل أثر شخص أصبح بالنسبة له كل شيء مجرد ذكرى بعيدة أن تكتشف أن المشاعر التي كانت تملأ أيامك أصبحت بالنسبة للطرف الآخر صفحة أُغلقت منذ زمن وهذا الشعور تحديدًا هو ما يجعل الكثيرين يظنون أنهم غير قادرين على التخطي
وعندما تتعب أخيرًا وتتوقف عن المحاولة لا يجد الناس كل ما فعلته سابقًا بل يرون فقط لحظة انسحابك الأخيرة وكأن كل الجهد الذي بذلته اختفى وكل المحاولات التي قمت بها لم تعد تُحسب فتخرج من العلاقة وأنت لا تحمل فقط ألم الفقد بل تحمل أيضًا شعورًا ثقيلًا بأنك كنت تحارب وحدك طوال الوقت ثم وُضعت في النهاية في خانة المخطئ
وفي النهاية ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو لماذا نسي هو أو لماذا بقيت أنا أتذكر ربما السؤال الأهم هو كيف أتعلم أن أكمل حياتي دون أن أحتاج إلى محو كل ما شعرت به لأن بعض الأشخاص لا يُنسون بالكامل وبعض الذكريات لا تختفي لكن الإنسان مع الوقت يتعلم أن يحملها بطريقة أخف وأن يعيش رغم وجودها لا أن ينتظر اختفاءها حتى يبدأ حياته من جديد

