هناك شعور يصعب عليّ أن أجد له اسمًا.
ليس حزنًا، لأنني أستطيع أن أضحك.
وليس راحة، لأن شيئًا ثقيلًا لا يزال يسكن صدري.
وليس فراغًا فقط، لأن هذا الفراغ مليء بأشياء لم أستطع قولها.
إنه شعور غريب، وكأنني أقف في منتصف الطريق؛ لا أقترب من الناس، ولا أبتعد عنهم تمامًا. أحتاجهم، لكنني أخاف منهم. أشتاق لأن يسألني أحد: "ما بك؟" لكنني، في اللحظة التي يسأل فيها، أخاف أن أجيب.
لا لأنني لا أريد الكلام، بل لأنني أعرف كيف يمكن للكلمات أن تنقلب على صاحبها.
أحيانًا لا يكون أصعب ما يمر به الإنسان هو ما يشعر به، بل ما يحدث بعد أن يقرر أخيرًا أن يتكلم.
تجمع شجاعتك، وتفتح بابًا ظل مغلقًا لوقت طويل، وتخبر شخصًا قريبًا بما يؤلمك، لا لأنك تبحث عن حل، بل لأنك تبحث عن كتف يحمل معك جزءًا من هذا الثقل.
ثم تكتشف أن ما كان يخيفك لم يكن مجرد وهم.
بدل أن تجد احتواءً، تجد هجومًا.
وبدل أن تُسمع، تجد من يحاكم طريقة كلامك، أو انفعالك، أو دموعك.
وكأن المشكلة لم تعد في الألم نفسه، بل في الطريقة التي عبّرت بها عنه.
ومنذ تلك اللحظة، لا تؤلمك الكلمات التي قيلت فقط، بل تؤلمك الفكرة التي زرعتها داخلك: "ربما كان يجب أن أبقى صامتًا."
أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يبكي.
بل أن يشعر بالخجل لأنه بكى.
أن ينظر إليه أحد، فيختصر كل ما كان يعيشه في جملة مثل: "أنت غير ناضج."
أو يقول: "أنت تستخدم البكاء وسيلة للدفاع عن نفسك."
وكأن الدموع كانت خطة مدروسة.
بينما الحقيقة أن بعض الدموع لا تستأذن صاحبها.
لا تخرج ليكسب نقاشًا، ولا ليؤثر في أحد، بل لأنها لم تعد تجد مكانًا آخر تذهب إليه.
هناك مشاعر عندما تبقى حبيسة لفترة طويلة، لا تخرج كلمات... بل تخرج دموعًا.
ولهذا، أكثر ما كسرني لم يكن أنني بكيت.
بل أن أحدًا رأى دموعي، ولم يرَ وجعي.
بعدها يتغير شيء في داخلك.
لا تتوقف عن الحاجة إلى الناس، لكنك تتوقف عن الوثوق بسهولة.
تصبح كل مرة تفكر فيها أن تتكلم، تتذكر المرة السابقة.
فتختار الصمت.
ليس لأنك لا تحتاج إلى أحد، بل لأنك تخاف أن تدفع الثمن مرة أخرى.
وهنا تبدأ الغربة الحقيقية.
ليست غربة المكان.
بل غربة الشعور.
أن تكون محاطًا بأشخاص تعرفهم منذ سنوات، ومع ذلك تشعر أن لا أحد يعرفك فعلًا.
أن تتمنى وجود شخص واحد لا يقدم حلولًا، ولا يصدر أحكامًا، ولا يحلل دموعك، ولا يطلب منك أن تكون أقوى.
شخص يمسك يدك، وينظر إليك، ويقول بصدق: "أنا هنا... خذ وقتك."
أعتقد أن الإنسان لا يبحث دائمًا عن إجابات.
أحيانًا يبحث فقط عن مكان آمن، يستطيع أن يسقط فيه دون أن يشعر أنه ارتكب خطأ لأنه كان ضعيفًا.
وربما لهذا السبب، ليست كل الجروح سببها القسوة.
بعضها سببها أننا اخترنا الشخص الخطأ لنكشف له الجزء الأكثر هشاشة فينا.
ومع ذلك...
لا أريد أن أصدق أن العالم كله يشبه تلك التجربة.
لأنني ما زلت أؤمن أن هناك أشخاصًا إذا رأوا دموعك، لن يسألوك لماذا بكيت، ولن يفسروا ضعفك على أنه نقص.
سيبقون فقط...
حتى ينتهي الألم من الكلام.

