هناك فكرة تؤرقني منذ زمن.
لماذا أصبحنا نتصرف وكأن فهمنا للعالم هو المقياس الوحيد للحقيقة؟ ولماذا نحاكم مشاعر الآخرين انطلاقًا من تجاربنا نحن، لا من تجاربهم هم؟
كلما قال أحدهم: "لا أفهم لماذا يشعر هكذا"، يتحول عدم الفهم تدريجيًا إلى حكم، ثم إلى لوم، ثم إلى إدانة. وكأن الإنسان لا يحق له أن يشعر بشيء لا نستطيع نحن تفسيره.
لكن الحقيقة مختلفة.
المشاعر ليست معادلات رياضية حتى تصل دائمًا إلى النتيجة نفسها. الإنسان ليس كائنًا يولد بصفحة بيضاء ثم يعيش النسخة ذاتها من الحياة التي يعيشها الجميع. نحن نحمل تاريخًا كاملًا داخلنا؛ طفولة لم يعشها أحد غيرنا، كلمات علقت في ذاكرتنا منذ سنوات، مواقف كسرت شيئًا في داخلنا دون أن يلاحظها أحد، وذكريات أعادت تشكيل نظرتنا للعالم بصمت.
ولهذا، فإن ردود أفعالنا ليست متشابهة، لأن القصص التي صنعتنا ليست متشابهة.
قد يخاف شخص من أمر يبدو عاديًا بالنسبة لك، ليس لأنه ضعيف، بل لأن ذاكرته تربطه بألم لا تعرفه. وقد يصمت آخر في الوقت الذي كنت ستتكلم فيه، ليس لأنه لا يثق بك، بل لأن الحياة علمته أن بعض الكلمات عندما تخرج لا يمكن إعادتها.
أحيانًا ننسى أن الإنسان لا يتصرف وفق ما يحدث أمامه فقط، بل وفق كل ما حدث له قبل هذه اللحظة.
لذلك لا أؤمن بأن علينا أن نتفهم كل شيء. بعض التجارب لا يمكن فهمها إلا إذا عشناها بأنفسنا، وهذا مستحيل. لكنني أؤمن بشيء آخر أكثر إنسانية: أن نحترم ما لا نفهمه.
ليس كل شعور يحتاج إلى نقاش، وبعض الآلام لا تحتاج إلى تفسير بقدر ما تحتاج إلى مساحة آمنة لا يُحاكم فيها صاحبها.
كم مرة قلنا لشخص: "أنت تبالغ" فقط لأننا لم نشعر بما شعر به؟
وكم مرة وصفنا إنسانًا بالحساس، أو المعقد، أو البارد، أو الضعيف، بينما كنا في الحقيقة نصف جهلنا بقصته؟
المشكلة ليست في اختلاف المشاعر، بل في اعتقادنا أن اختلافها يعني أن أحدنا مخطئ.
ولهذا أصبح كثير من الناس يخفون حقيقتهم. لا لأنهم لا يريدون أن يكونوا صادقين، بل لأن الصدق أصبح مكلفًا. فبدل أن يجد الإنسان من يصغي إليه، يجد من يحلل مشاعره، ويصححها، ويقرر له ما الذي يحق له أن يشعر به وما الذي لا يحق.
وكأننا نسينا أن المشاعر ليست قرارًا.
لا أحد يختار أن يخاف، أو أن يحزن، أو أن ينهار، أو أن يعجز عن الكلام. هذه ليست أزرارًا نضغط عليها ثم نلغيها عندما لا تعجب الآخرين.
لهذا أعتقد أن أجمل العلاقات ليست تلك التي تفهم كل شيء، بل تلك التي لا تجعل من عدم الفهم سببًا للقسوة.
ليس مطلوبًا منك أن تعيش التجربة نفسها، ولا أن ترى العالم بعيني الشخص الآخر، لكن لا تجعل حدود تجربتك حدودًا للعالم كله.
فالعالم أوسع منك، ومني، ومن تجاربنا جميعًا.
وإذا لم تستطع أن تكون الشخص الذي يخفف عن الآخرين، فلا تكن الشخص الذي يزيد حملهم.
أنت لا تعرف ماذا حدث لهم قبل أن يقابلوك. لا تعرف كم معركة خاضوها بصمت، ولا كم مرة جمعوا أنفسهم بعد أن ظنوا أنهم انتهوا، ولا كم مرة ابتسموا فقط حتى لا يضطروا لشرح ما في داخلهم.
ولهذا، عندما يخبرك أحدهم أنه بخير، فلا تفترض دائمًا أنه بخير فعلًا. وعندما يختار الصمت، لا تعتبره اتهامًا لك. فهناك مشاعر لا تخونها الكلمات، بل تعجز الكلمات عن حملها.
وأخيرًا...
لا تجعل قسوة العالم سببًا لتصبح أنت قاسيًا أيضًا.
ولا تسمح للتجارب السيئة أن تقنعك بأن الرحمة ضعف، أو أن اللطف سذاجة، أو أن الناس جميعًا نسخة واحدة.
لأن أكثر ما يحتاجه الإنسان في هذا العالم ليس شخصًا يفهم كل ما يشعر به، فهذا مستحيل، بل شخصًا لا يحاكمه على شيء لم يعشه، ولا يختزل حياته كلها في لحظة، ولا ينسى أن خلف كل إنسان قصةً لا نعرف منها إلا ما سمح لنا برؤيته.
وربما لهذا السبب، لا يكون أعظم أشكال الإنسانية أن نفهم بعضنا فهمًا كاملًا، بل أن نتعامل مع بعضنا بتواضع، وكأننا ندرك أن هناك دائمًا فصلًا مفقودًا من القصة لا نملكه.


ابدعتيييييي💫