هل فكرت يومًا لماذا نكون نحن دائمًا من يبادر… بينما ننتظر من البعض مجرد خطوة صغيرة ولا تأتي؟
في كثير من العلاقات نجد أنفسنا الطرف الذي يبدأ الحديث، الذي يسأل، والذي يحاول إبقاء المسافة بيننا وبين الآخرين قصيرة. نحن من يرسل الرسالة أولًا، ومن يحاول إصلاح الخلاف عندما يحدث، ومن يتجاهل أحيانًا تصرفات تزعجنا فقط لأننا لا نريد أن نخسر الشخص الآخر. ومع الوقت يبدأ سؤال بسيط لكنه ثقيل بالظهور داخلنا: لماذا نبذل كل هذا الجهد بينما لا نجد الجهد نفسه يعود إلينا؟
علم النفس الاجتماعي يفسّر هذا الشعور من خلال ما يُعرف بـ نظرية التبادل الاجتماعي. هذه النظرية تشير إلى أن العلاقات الإنسانية غالبًا ما تستمر عندما يشعر الطرفان بوجود توازن في العطاء والاهتمام. فالعلاقة بطبيعتها ليست مجرد وجود شخصين معًا، بل هي مساحة مشتركة من الجهد والاهتمام المتبادل. وعندما يصبح هذا الجهد صادرًا من طرف واحد فقط، يبدأ ذلك الطرف بالشعور بالإرهاق حتى لو لم يعترف بذلك بصوت عالٍ.
لكن المفارقة التي نلاحظها كثيرًا هي أن الأشخاص الذين نتمنى قربهم قد لا يلاحظون حتى أبسط التفاصيل عنا، بينما قد نجد من يلاحظها في أشخاص لم نتوقعهم أصلًا. قد يكون شخص لا نعرفه جيدًا يتذكر كلمة قلناها عابرًا، أو يلاحظ تغيرًا صغيرًا في مزاجنا، أو يسأل عنا بصدق دون أن نطلب. هذه اللحظات تكشف لنا حقيقة بسيطة: الاهتمام الحقيقي لا يرتبط دائمًا بمن نحب، بل بمن يختار أن يهتم.
المبادرة في العلاقات ليست خطأ؛ بل هي دليل على إنسان يملك قلبًا حاضرًا ويهتم بالآخرين. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المبادرة إلى مسؤولية دائمة، وعندما يصبح إصلاح كل شيء واجبًا على شخص واحد فقط. عندها لا تعود العلاقة مساحة مشتركة، بل عبئًا يحمله طرف واحد.
لذلك ربما الفكرة ليست أن تتوقف عن الاهتمام، بل أن تعيد النظر في التوازن. ليس مطلوبًا منك أن تكون دائمًا الشخص الذي يبدأ أو يصلح أو يتحمل كل شيء. فإذا رأيت الشخص الآخر يحاول معك، اقترب منه وحاول معه. أما إذا وجدت نفسك دائمًا الشخص الذي يكون حاضرًا في كل وقت، يحاول إسعاد الآخر ويكبت ما يشعر به فقط ليستمر كل شيء… فربما من المهم أن تتوقف قليلًا وتسأل نفسك بهدوء:
هل هذا الاهتمام المتعب يستحق كل هذا الجهد… أم أن العلاقات الحقيقية هي تلك التي يسير فيها الطرفان خطوة نحو بعضهما، لا خطوة واحدة فقط؟


وضحتي الفكرة ببالي أكثر ❤️
💫💫