في الفترة الأخيرة، بدأت ألاحظ أن كثيرا من مشاعري وردود أفعالي ما كانت نتيجة الأحداث نفسها، بل نتيجة الطريقة اللي كنت أفكر فيها. هذا الشيء خلاني أبحث أكثر، وأدخل في عالم الذكاء العاطفي والعلاج المعرفي السلوكي، واكتشفت أدوات غيّرت نظرتي لنفسي وللحياة بشكل عميق.
في البداية، كنت أعتقد أن الشعور يأتي مباشرة من الموقف: شيء سيء يحدث → أشعر بالسوء. لكن مع الوقت، فهمت أن هناك حلقة مفقودة بين الاثنين: “الفكرة”. وهنا كان أول تحول حقيقي بالنسبة لي.
تعلمت نموذج بسيط لكنه قوي جدًا، وهو نموذج (ABC). صرت أوقف نفسي وأسأل:
ماذا حدث؟ (A)
ماذا فكرت؟ (B)
ماذا شعرت أو كيف تصرفت؟ (C)
المفاجأة كانت أن “B” هي اللي تتحكم بكل شيء. نفس الموقف ممكن يخليني أحزن أو أتجاهله تمامًا، حسب الفكرة اللي خطرت في بالي. هذا الإدراك لوحده أعطاني إحساس بسيطرة ما كنت أتوقعه.
بعدها بدأت ألاحظ شيء أعمق: مش كل أفكاري صحيحة. في كثير منها كان تلقائي وسريع، لكنه مليء بالأخطاء. مثل لما أغلط مرة وأقول “أنا دائمًا أفشل”، أو لما أتوقع الأسوأ بدون دليل. هذه الأنماط من التفكير كانت تشتغل في الخلفية بدون ما أنتبه، لكنها تأثر على مشاعري بشكل كبير.
لما بدأت أتعرف على هذه “التشوهات الفكرية”، صار عندي نوع من المسافة بيني وبين أفكاري. بدل ما أصدق كل شيء يجي في بالي، صرت أراقبه. أسأل: هل هذا حقيقي؟ هل أنا أبالغ؟ هل في تفسير ثاني؟ وهنا بدأ التغيير الحقيقي.
واحدة من أعمق الأفكار اللي أثرت فيني كانت فكرة “الثالوث السلبي”. لاحظت أنه لما أكون في مزاج سيء، يكون عندي ثلاث نظرات سلبية:
عن نفسي: أني أقل من الآخرين
عن العالم: أنه مكان غير عادل
عن المستقبل: أنه ما في أمل
ولما تجتمع هذه الثلاثة، يصير الشعور ثقيل جدًا. لكن لما أفككها، وأتعامل مع كل واحدة لحالها، يبدأ الثقل يخف.
أيضًا، استخدمت طريقة “الخمسة لماذا” لفهم نفسي بشكل أعمق. بدل ما أوقف عند الشعور، صرت أحفر تحته:
ليش أنا متضايق؟
ولما أجاوب، أسأل: طيب ليش؟
وأكمل…
في كثير من المرات، كنت أكتشف أن السبب الحقيقي مختلف تمامًا عن اللي كنت أظنه. يمكن يكون خوف، أو نقص ثقة، أو تجربة قديمة لسه تأثر علي. وهذا الشيء خلاني أكون أصدق مع نفسي.
التغيير ما كان سريع، لكنه كان واضح. صرت أهدأ في مواقفي، أقل اندفاعًا، وأكثر فهمًا لنفسي وللناس. صرت أعرف أن الشعور، مهما كان قوي، مش بالضرورة يكون حقيقة. وأن الفكرة ممكن تتغير، وبالتالي الشعور يتغير.
الأجمل من كل هذا، أني بدأت أحس أن عندي “خيار”. خيار في كيف أفكر، كيف أفسر، وكيف أتصرف. وهذا الإحساس بحد ذاته غيّر أشياء كثيرة في حياتي.
في النهاية، ما أقدر أقول أني وصلت للكمال، لكن أقدر أقول أني صرت أوعى. صرت أفهم نفسي بدل ما أقاومها، وأوجّه تفكيري بدل ما أكون تحت سيطرته.
وهذا بالنسبة لي، هو بداية التغيير الحقيقي.

